من الواجب إلى اللذّة: التحرّر من قوائم الالتزام الروحي
لماذا توقّفت عن الوقت اليومي مع الله… وما الذي أعادني إليه
وَاثِقًا بِهَذَا عَيْنِهِ أَنَّ ٱلَّذِي ٱبْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلًا صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. فيلبي ١: ٦
أنا مسيحي منذ
أن كنت في السابعة من عمري. ورغم أن سنواتٍ كثيرة — أكثر مما أحب أن أعترف به — قد
مرّت منذ ذلك اليوم المفصلي، إلا أن تفاصيل معيّنة من لحظة لقائي بيسوع لا تزال
محفورة في ذاكرتي.
أتذكّر قاعة الألعاب الخانقة الممتلئة
بالناس المشاركين في نهضةٍ روحية في بلدةٍ صغيرة. أتذكّر إصرار والدتي على أنني لم
أكن أفهم بعد ما يكفي للاستجابة لنداء المذبح. وربما أغرب وأوضح ما أذكره هو حذاء
الواعظ بلونه القريب من لون الجمل، وهو يقترب، وينحني إلى مستوى طفلٍ صغير مثلي،
ويقودني في صلاة.
ومع كل هذا
الوضوح، قد تظنّ أنني أتذكّر ما حدث بعد ذلك… لكنني لا أتذكّر. هنا تنتهي
الذكريات، غير أن تأثير تلك اللحظة الواحدة لا يزال، حتى اليوم، يشكّل مسار حياتي
أكثر من أي حدثٍ آخر.
ما يبدأه الله
يُكمِله
رغم أن رحلتي
مع الله بدأت منذ زمنٍ بعيد، إلا أن الطريق الذي سرناه معًا كان مليئًا بالمنعطفات
والتقلّبات. ومن خلال كل ذلك، أدركت حقيقة فيلبي ١: ٦: ما يبدأه الله، هو دائمًا
يُكمِله، حتى وإن فشلنا فشلًا ذريعًا أو ابتعدنا عنه تمامًا.
عندما يُسلَّم القلب حقًا ليسوع — مهما
طال الزمن منذ ذلك — فإن الرجوع إليه أمرٌ حتمي. هذا لا يحدث بجهدٍ بشري، بل بقوة
سعيه الإلهي الدؤوب الذي لا يكلّ. الآب يأتي دائمًا ليبحث عن ابنه. دائمًا. (متى
١٨: ١٢)
هربتُ من الله
لم أُعلن يومًا
أنني قررت الابتعاد عن الله، لكن كانت هناك فترة حاولتُ فيها ذلك. فالمعاناة
الناتجة عن خطأٍ كبير في الحياة غالبًا ما تكشف أسوأ ما في الإنسان، وتُظهر مدى
سقوطه عندما يحاول عمدًا أن يرفع عن نفسه غطاء نعمة يسوع ورحمته ومحبته.
في تلك اللحظات، يسمح الله لنا أن نختبر
ما اختبره الابن الضال (لوقا ١٥: ١١–٣٢) وهو جالس في مزبلةٍ صنعها بنفسه. أحيانًا،
لا بدّ أن يدخل طين أخطائنا إلى أعيننا، قبل أن نكون مستعدين لرؤية يسوع واقفًا
أمامنا، يحمل طستًا من ماءٍ ساخن وصابون، ومنشفةً كبيرة ناعمة، وثوبًا جديدًا يلمع
بالحياة.
قبل أن ينهار
عالمي المخطَّط بدقة، لم أكن أُهمل وقتي اليومي مع الله. لم أفوّت فرصة خدمة تناسب
موهبتي. وكنت بالتأكيد أذهب إلى الكنيسة كل أسبوع. باختصار، كنت أعيش بإحساسٍ عميق
بالواجب لتطبيق «الوصفة المسيحية».
كنت أبحث عن رضى الله من خلال تنفيذ كل ما
طلبه بأقصى درجات الكمال. لكن عندما انهارت الأمور رغم التزامي بالقواعد والقوائم،
وجدت نفسي حائرًا، فاقد الدافع، وفارغًا من الداخل. في مكانٍ ما بين السابعة من
عمري وبداية الشباب، اعتدتُ أن أؤدي أدوارًا أمام الله بدل أن أحبّه. كنت أطلبه
وأخدمه بدافع الواجب، لا بدافع الشوق. وبدل أن أجوع إليه، ظننت أن حرماني لنفسي هو
ما يرضيه.
أعادني الله
كحال الابن
الضال، أحبّني الله أكثر من أن يتركني أتخبّط في الحظيرة التي صنعتها بيدي. جاء
إليّ — بلطفٍ، ولكن بإصرارٍ لا يلين.
غير أن الاسترداد لم يكن سهلًا ولا
سريعًا، لأن أعباء الذنب والعار كانت تُبطئ خطواتي باستمرار. وكما يحتاج المصاب في
حادث إلى أن يتعلّم المشي من جديد، كانت «أرجلي الروحية» تجهل كيف تسير بالإيمان
من دون حذاء التديّن الشكلي.
اكتشفتُ، على
سبيل المثال، أنني لا أعرف كيف أصلّي، أو أدرس الكتاب المقدس، أو أعبد الله بدافع
الشوق الحقيقي إليه، لا بدافع الإلزام الداخلي. لأشهرٍ طويلة، حاولت ممارسة
العادات الروحية الشائعة، وانتهيت أبكي لأنني لم أستطع أن أفعل شيئًا دون عدٍّ أو
ضغطٍ أو شعورٍ بالإجبار.
الممارسات الروحية التي صُمِّمت لتقرّبني
من الله كانت تدفعني بعيدًا عنه، بسبب توقعاتي وخوفي الدائم من كسر القواعد.
وأخيرًا، ومن
شدّة اليأس، أتذكّر أنني حاولت أن أصلّي، وقلت لله شيئًا كهذا:
«إن لم أستطع أن أصلّي لأنني أريدك… لأنني
أشتاق إليك، لا لأنني أحاول إرضاءك أو تحقيق معيارٍ ما… فلن أصلّي إطلاقًا. لن
أهرب منك، لكنني توقّفت عن إجبار نفسي. إن صنعتَ معجزةً في قلبي وجعلتني أريدك،
فسأستسلم لك. أمّا إن كان دافعي الوحيد هو الواجب، فلن أفعل.»
ثم توقّفت. عن
كل شيء.
إن لم أشعر برغبة في قراءة الكتاب المقدس،
لم أقرأ. وإن ناداني النوم لأبقى في السرير صباح الأحد، استسلمت. أما الصلاة؟
فكانت نادرة جدًا. في البداية، بدا وكأن شيئًا لا يحدث. لكن قلبي تغيّر، لأنني —
ولأول مرة منذ سنوات — كنت أستيقظ كل صباح بصفحةٍ بيضاء متروكة لله. كنت أتحدّاه
أن يملأها، بدل أن أؤدي طقوس قائمة جاهزة.
أردتُ أن أريد
الله
خاض إبليس
معركة شرسة ليمنعني من فهم أن الله يريد لأبنائه أن يختبروا الفرح بلا شروط. وكان
عليّ أن أتخلّى عن فكرة أن لديّ ما أقدّمه لله، وأسمح له بدلًا من ذلك أن يعمل كل
شيء فيَّ ومن خلالي، لمجده.
وكان من
الضروري لشفائي أيضًا أن أتخلّى عن الاعتقاد بأن الفرح أمرٌ خاطئ. استغرق الأمر
سنوات حتى ترسّخ في أعماقي أن الله يريدنا أن نجد فيه لذّةً وشبعًا عميقين، نكتشف
من خلالهما معنى السعادة الحقيقية.
كثيرًا ما نظنّ أن غياب الألم هو طريق
السعادة، لكن يسوع يعلّمني أن السعادة هي أن تُشبَع كل رغبات قلبي به هو وحده.
وعندما تتوجّه رغبات قلوبنا لإيجاد الشبع في الله، يستبدل هو ما لا يليق منها
برغباته لنا.
أصبح مزمور ٣٧:
٤ صرخة قلبي ونشيدي كل صباح. بدأت أصلّي أن يعلّمني أن أتلذّذ به، وأن يستبدل
رغبات قلبي برغباته.
لم أبتعد
طويلًا عن وقتي اليومي مع الله. فحبيب نفسي كان أمينًا في أن يجذبني إليه من جديد.
وتعلّمت أن السعي للشبع في الله لا يعني فقط الابتعاد عن الخطية أو التخلي عن
الكمالية، بل يعني أيضًا اختيار «النصيب الأفضل» — التمييز بين ما هو صالح، وما هو
الأفضل لي بحسب مشيئته.
عندما نطلب الشبع في حضور الله أكثر من
«الخيرات» التي يقدّمها هذا العالم، يقودنا الروح القدس إلى فرحٍ عميق وحرية
حقيقية.
الله يطلب
قلبًا راغبًا قبل أي ذبيحة، أو خدمة، أو نظام روحي. فكل ذلك لا قيمة له إن لم يكن
نابعًا من محبة غير مشروطة له.
الحفاظ على الانضباطات الروحية الأساسية
أمرٌ صالح لمعظم الناس، وغالبًا ما يكون جزءًا مهمًا من إحياء الشوق إلى الله، حتى
حين لا نشعر بالرغبة. لكن محبة الله الفائضة لا تأتي بنموذجٍ واحد يناسب الجميع.
فالروح القدس يقود كل واحدٍ منا بطريقة فريدة.
أبونا السماوي
لا يترك شيئًا للصدفة، ولن يتوقّف عن السعي إلينا ليعيدنا إلى البيت، مهما كان
مكاننا أو ماضينا.
استرح اليوم في هذه الحقيقة، واعلم أنك
محبوب لذاتك، لا لما تفعل أو لا تفعل.
نُشر بإذن من
كيم ستيفر. مقتطفات تأملية من مقال:
«لماذا توقّفتُ مؤقتًا عن الوقت اليومي مع
الله»
من مدونة النمو الروحي: «Glimmers in the Fog»،
نُشر أصلًا على coreradiate.com.
طلبة الصلاة:
صلِّ هذا الأسبوع:
أيها الآب السماوي، يا حبيب نفسي، أنت تعرفني أكثر مما أعرف نفسي. أشكرك لأنك تلاحقني بنعمتك التي لا تكلّ عندما أُحاول أن أؤدي بدل أن أكون معك. غيّر قلبي كل يوم، من قلبٍ يتحرّك بدافع الواجب، إلى قلبٍ يتلذّذ بحضورك. استبدل رغباتي الأرضية برغباتك الإلهية، حتى يكون فرحي الأعظم فيك وحدك. آمين.
ما هي الأنشطة الروحية التي تشعر حاليًا أنها واجبات ثقيلة؟ وكيف يمكنك أن تعيد تخيّلها كفرصٍ للتلذّذ بحضور الله؟
تواصل معنا.